ازوريا اللغز الذي بدأ منذ الطفولة
أزوريا – الفصل السابع
اللغز الذي بدأ منذ الطفولة
بقلم محمد جمال الجارحي
لم يجد درع أشرف أمامه.
ظل يحدق في المكان الذي كان يجلس فيه منذ لحظات، وكأن عينيه ترفضان تصديق ما تراه.
قال درع بصوت مضطرب:
«أشرف؟!»
لا إجابة.
تحرك قليلًا، ثم توقف.
نظر إلى ليل وقال:
«هو خرج من هنا إزاي؟»
ظل ليل صامتًا، وعينه الحمراء تزداد توهجًا.
ثم قال:
«لم يخرج.»
تجمد درع.
«يعني إيه لم يخرج؟»
اقترب ليل من المكان الذي كان فيه أشرف، وأخذ يشم الهواء وكأنه يبحث عن أثر لا تستطيع العين رؤيته.
ثم قال:
«أشرف لم يغادر الغرفة... أشرف انتقل.»
ساد الصمت.
قال درع:
«انتقل إلى أين؟»
رفع ليل رأسه وقال:
«إلى المكان الذي ظل يبحث عنه طوال حياته... دون أن يعرف أنه يبحث عنه.»
وفي اللحظة نفسها...
بدأت عين ليل الحمراء تضيء بقوة.
ثم ظهرت أمامهما صورة ضبابية.
كانت غرفة قديمة.
رأى درع طفلًا صغيرًا يجلس على الأرض.
كان أشرف.
لكن هذه المرة لم يكن على كرسي متحرك.
كان طفلًا يركض خلف حصان خشبي صغير.
ثم ظهرت صورة أخرى.
أشرف أكبر قليلًا، يجلس بجوار عجلة صغيرة، يحاول تحريكها.
وبجانبه رجل يقف مبتسمًا.
كان الملك جسر.
قال درع بصوت خافت:
«لا...»
التفت إليه ليل.
«ماذا؟»
قال درع:
«أنا أعرف هذه الغرفة.»
ثم صمت لحظة.
«لكنني لا أعرف لماذا أعرفها.»
وفجأة...
تغيرت الصورة.
ظهر جسر وهو يحمل أشرف الطفل بين ذراعيه.
وكان ليل يقف بجواره.
لكن ليل لم يكن حصانًا.
كان إنسانًا.
وفي يده عصا سوداء.
قال جسر:
«سوف يأتي اليوم الذي يحتاج فيه إليكما.»
فقال ليل:
«وماذا سنفعل؟»
ابتسم جسر وقال:
«ستحميانه.»
ثم نظر إلى درع.
«وأنت ستكون أقرب إليه مما تتخيل.»
اختفت الصورة.
صرخ درع:
«أبي!»
نظر إليه ليل.
«أبوك؟»
قال درع:
«جسر كان يعرف كل شيء... منذ البداية.»
ثم ساد الصمت.
وفجأة بدأت ذكريات أخرى تظهر.
رأى درع نفسه...
ليس كرسيًا.
بل عجلة صغيرة بجوار أشرف.
ثم سمع صوت جسر:
«تعلم يا بني... يومًا ما لن أكون موجودًا.»
ثم ظهر ليل.
حصانًا أسود صغيرًا.
وكان أشرف يضحك وهو يحاول ركوبه.
ابتسم ليل رغمًا عنه.
وقال:
«كنت معه منذ أن كان طفلًا.»
ثم أضاف:
«وكنت أظن أنني مجرد عصاه...»
نظر إلى درع.
«وأنت كنت تظن أنك مجرد كرسي.»
قال درع:
«لكننا كنا نتدرب معه.»
قال ليل:
«منذ الطفولة.»
ثم نظر الاثنان إلى بعضهما.
وفجأة فهم درع شيئًا أخطر.
قال:
«الحادث...»
لم يرد ليل.
تابع درع:
«الحادث لم يكن صدفة.»
اقترب ليل منه.
«قل ما تفكر فيه.»
قال درع:
«أشرف كان ذاهبًا لاختبارات كلية الشرطة.»
صمت.
«ثم وقع الحادث.»
رفع ليل رأسه.
قال درع:
«ومنذ ذلك اليوم فقد القدرة على المشي... وفقد حلمه... وفقد رغبته في الحياة.»
ثم نظر إلى ليل.
«لكن ماذا لو كان كل ذلك مخططًا له؟»
توهجت عين ليل بشدة.
«ملك الظلام.»
قال درع:
«ربما أراد التخلص من أشرف قبل أن يعرف من يكون.»
لأول مرة بدا الخوف في صوت ليل.
«ولو كان ذلك صحيحًا...»
أكمل درع:
«فإن جسر كان يعرف.»
وفجأة...
ظهر صوت الملك جسر في أرجاء المكان.
«نعم... كنت أعرف.»
تجمد الاثنان.
قال درع:
«جسر؟»
ظهر الضوء من جديد.
لكن هذه المرة لم يظهر جسر كاملًا.
كانت مجرد صورته.
وقال:
«لم أخفِ أزوريا عن أشرف لأنني لم أثق به... بل لأنني كنت أخشى أن يكتشفه ملك الظلام قبلي.»
قال ليل:
«ولكن لماذا لم تخبره بحقيقته؟»
أجاب جسر:
«لأن قوته لم تكن قد اكتملت.»
ثم نظر إلى المكان الذي اختفى فيه أشرف.
«كان يجب أن يعيش حياته أولًا.»
صمت قليلًا.
ثم قال:
«كان يجب أن يعرف الألم... والفقد... والحب... والخوف... والانكسار.»
قال درع:
«لكن ذلك جعله يعاني.»
أجاب جسر:
«وأنا كنت أعاني معه.»
ثم انخفض صوته:
«لكن حارس البوابة الذي لم يعرف الضعف... لن يستطيع حماية البشر.»
سكت الجميع.
ثم قال جسر:
«الآن بدأ أشرف يفهم.»
اختفى الضوء.
وبقيت جملة واحدة تتردد:
«الحادث لم يكن نهاية حياة أشرف... بل كان بداية استيقاظه.»
وفي مكان آخر...
فتح أشرف عينيه.
كان واقفًا.
نعم...
واقفًا على قدميه.
نظر إلى الأرض تحت قدميه بدهشة.
لم يكن هناك كرسي.
ولا عكاز.
ولا أحد يساعده.
حرّك أصابع قدمه.
ثم أخذ خطوة.
ثم أخرى.
رفع رأسه.
كان أمامه مكان لم يره من قبل.
مدينة أزوريا...
لكنها لم تكن كما عرفها.
كانت مظلمة.
والسماء الزرقاء مغطاة بسحب سوداء.
ومن بعيد...
سمع صوتًا يعرفه.
صوت ضي القمر.
«أشرف... لا تخف.»
استدار بسرعة.
«ضي؟»
ظهرت أمامه.
لكن وجهها لم يكن مبتسمًا هذه المرة.
قالت:
«لقد بدأت الحقيقة تظهر.»
اقترب منها أشرف.
«أي حقيقة؟»
نظرت إلى قدميه.
ثم إلى عينيه.
وقالت:
«حقيقة لماذا اختارتك القلادة.»
توقف أشرف.
قال:
«أنا بدأت أشك في كل شيء.»
ابتسمت ضي القمر بحزن.
«وهذا هو المطلوب.»
قال أشرف:
«هل الحادث كان بسبب ملك الظلام؟»
لم تجبه.
فقال:
«ضي... جاوبيني.»
اقتربت منه وقالت:
«هناك أسئلة لا نستطيع الإجابة عنها بدلًا منك.»
ثم وضعت يدها على كتفه.
«لأنك إذا عرفت الحقيقة كاملة الآن... قد لا تستطيع تحملها.»
رفع أشرف عينيه إليها.
«وأنا مش ههرب.»
ابتسمت.
«أعرف.»
ثم ظهر خلفها ظل ضخم.
ظل فيل.
ثم تحول إلى محارب.
ثم إلى ملك.
كان الملك جسر.
لكن صوته جاء من بعيد:
«إذن ابدأ التدريب يا ابني.»
نظر أشرف حوله.
«أين درع؟»
ثم سمع صوتًا مألوفًا خلفه:
«هنا يا حارس البوابة.»
استدار.
كان درع أمامه...
لكن ليس على هيئة كرسي.
كان درعًا حقيقيًا.
وفي الجانب الآخر...
ظهر ليل.
فرسًا أسود ملكيًا.
توهجت عينه الحمراء.
وقال:
«وأنا هنا.»
ابتسم أشرف.
لكن هذه المرة لم يكن ابتسامه ابتسامة طفل وجد عالمًا جديدًا.
كانت ابتسامة رجل بدأ يفهم...
أن كل ما حدث له طوال حياته...
ربما لم يكن صدفة.
قال أشرف:
«إذن... علّموني.»
اقترب درع.
وقال:
«منذ اليوم لن ندرب جسدك فقط.»
اقترب ليل.
«بل سنعلمك كيف تستخدم عقلك.»
ظهرت ضي القمر.
«وسنعلمك كيف تستخدم قلبك.»
ثم جاء صوت جسر:
«وعندما تكتمل الثلاثة...»
انطفأت أنوار أزوريا لحظة.
ثم ظهرت في السماء عين سوداء ضخمة.
قال جسر:
«سيعرف ملك الظلام أن حارس البوابة قد استيقظ.»
نظر أشرف إلى العين السوداء.
ثم قبض يده.
وقال:
«خليه يعرف.»
وهكذا بدأت رحلة أشرف الحقيقية...
ليس ليكتشف من هو فقط...
بل ليكتشف لماذا اختارته القلادة دونًا عن الجميع.
ولماذا كان ملك الظلام يريد قتله قبل أن يعرف الحقيقة.
ولماذا كان والده جسر يخفي عنه أزوريا منذ طفولته.
وكان أخطر سؤال لم يُجب عنه بعد:
هل كان أشرف هو من اختارته القلادة...
أم أن القلادة كانت تعرف منذ البداية أن أشرف هو من سيختارها؟

تعليقات
إرسال تعليق