القربان – الغرفة التي لا تُفتح

 


القربان – الغرفة التي لا تُفتح


لم يكن انتقال عبد الكريم وأشرف والجارحي إلى تلك الشقة القديمة مجرد بداية جديدة، بل كان عبورًا غير محسوب نحو عالم لم يخططوا لطرقه. الشقة ظلت مغلقة لعقود، والجدران تحمل رائحة الماضي. ولكن هذه المرة، لم يكن هناك بواب يحذرهم، ولم تكن هناك غرفة مغلقة.

عند دخولهم، وجدوا الغرفة الأخيرة مفتوحة على مصراعيها. في وسطها، كان هناك مكتب مغطى بالغبار، وفي الزاوية صندوق أسود صغير، تنبض داخله دقات قلب عميقة. كان الصندوق مزخرفًا بنقوش ذهبية، تعلوه صورة فيل أزرق يتوهج بضوء خافت، والهواء حوله أثقل من أن يُستنشق.

ولكن ما لفت انتباههم هو صورة معلقة على الحائط، عليها شريط أسود. كانت صورة لرجل في منتصف العمر، يرتدي نظارة. كان وجهه مألوفًا، وكأنهم رأوه من قبل.


اقترب الجارحي، والعرق يتصبب من جبينه. من بعيد، كان عبد الكريم يراقب، متجمدًا من الدهشة. وما إن لامست أصابعه الصندوق، حتى جاء التحذير الأخير: "أنت من اخترت الدخول... لكنك لن تخرج كما دخلت."

انفرج غطاء الصندوق، وانفجر منه نور ذهبي كثيف التف حول الجارحي، وابتلعه في لحظة، تاركًا نظارته تتدحرج على الأرض.

ركض عبد الكريم إلى غرفة أشرف وهو يلهث: "الصندوق ابتلعه! اختفى أمام عيني!" ظن أشرف أنه يهذي، لكنهما اندفعا إلى الغرفة، فوجدا الصندوق مغلقًا، وعلى جدرانها يزحف ظل فيل أزرق. ومن أعماق السكون، انطلق الهمس من جديد: "أنا معكم... أراكم في المرايا... أسمع دقات قلوبكم."

ينتقل المشهد بكلا من أشرف وعبد الكريم يجلسون على طاولة السفرة، وفى منتصفها الصندوق الذى تحول لونه من أسود في ذهبي إلى لونه الأسود في أحمر، وخيال الفيل يتحرك داخل الصندوق ويسمعون الصوت الذي يقول: "أنتم من وقع عليهم الاختيار... أنتم أتيتم بناءً عن رغبتنا وليس اختيارًا منكم." وصوت دقات قلب تخرج من الصندوق ولكن ليس مثل ما سمعها عبد الكريم من قبل، ولكن كل نبضة بحركة من الصندوق وكأنه يقفز من مكانه. وهنا زادت دقات قلبهم الاثنين وأصبحوا ينظرون إلى بعضهم البعض ولا يستطيعون الحركة، وإذا بجرس الباب يضرب وينتفض الاثنين من مكانهم فزعًا. فيقول له أشرف: "أنا قلت إن الجارحي ده ناوي على موتنا كلنا... قوم شوف مين على الباب." فيقوم عبد الكريم لفتح الباب، وإذا به يهم فيقول له أشرف: "أغلق باب الغرفة قبل أن تفتح الباب، مش ناقصين مصائب ثاني." وأثناء غلق عبد الكريم باب المكتب يضع أشرف الصندوق أسفل الطاولة ويكون الباب قد فُتح، وإذا بها روان، أخت أشرف الصغيرة التي تزورهم من وقت لآخر، وهي فتاة تقرأ جيدًا في كتب التاريخ والأساطير وكانت هي والجارحي من أحباب حضور ندوات المناقشات الثقافية في ساقية الصاوي. فإذا بها تقفز داخل الشقة وتقول: "ابعد يا عم عبد الكريم، أخويا وحشني عايزة أسلم عليه." ولكنها لاحظت عليهم أثر العرق الشديد والخوف والاندهاش، ولكنها قالت: "مالكم؟ ما يكونش الفيل الأزرق داس على مخكم أنت وهو!" وهنا زادت اندهاش عبد الكريم وأشرف وقالت باستعجال: "أين الجارحي؟ بيننا موعد أن نذهب إلى الندوة اليوم يا هل الكهف يا أهل الصندوق." وهم ينظرون إليها باستغراب واندهاش ويدور في ذهن كلا منهما ويسمع عبد الكريم تفكير أشرف وأيضًا أشرف يسمع تفكير عبد الكريم وهم يقولون: "الفيل الأزرق! أهل الصندوق!" وهم يضربون رأسهم بأيديهم ويقولون: "ماذا قلت؟" والآخر: "ماذا قلت؟" وهنا يسمع كلا منهم صوت داخل رأسه: "لم يقل كلا منكم شيئًا بل أنا من أتحدث إليكم... أنا ظلكم... أنا حارس الصندوق... أنا تذكرة الذهاب ولكن بلا عودة... أسمع دقات قلوبكم... أسمع أفكاركم... أراكم دون حياء كتابًا مفتوحًا أوراقه بالية."

ويحدث شيء غريب... يبدأ صوت دقات القلب يقترب منهم شيئًا فشيئًا، حتى تتمكن روان من سماعه بوضوح، فتقول وعيناها تتسعان: "من أين يأتي هذا الصوت المخيف؟ أنا لا أحب المزاح بهذه الطريقة... أنا بجد بخاف." يلتفت عبد الكريم وأشرف نحو مصدر الصوت، فإذا بنداء غامض يخترق عقولهم: "أنا هنا... أنا من اخترتكم... أنتم من وقع عليهم الاختيار... عالمنا يتشوق إليكم كاشتياق الأم لابنها، وكاشتياق العطشان لرشفة ماء... أنا العرّاف، خادم الفيل الأزرق، أنا من يفتح طريق الدخول، أنا من بيده صولجان الفيل، الخادم المطيع لعالم السافلين." وفجأة يرتفع الصندوق فوق الطاولة وينفتح ببطء، ويخرج منه فيل أسود مخيف، يتجول في أرجاء الشقة، تتوهج عيناه بوميض أحمر شيطاني، فيما يجمد الثلاثة في أماكنهم بلا حراك، حتى يندفع الضوء نفسه الذي رآه عبد الكريم يبتلع الجارحي سابقًا ويلتف حولهم جميعًا، فيجدون أنفسهم بلا قوة، بلا مقاومة، ينساقون ويتلاشون واحدًا تلو الآخر داخل الصندوق، ثم ينغلق ويخفت لونه ويعم السكون في الشقة وكأن شيئًا لم يحدث. يفتحون أعينهم ليجدوا أنفسهم على أرض صلبة متشققة تتصاعد منها الحمم، فيتساءل عبد الكريم: "أين نحن؟ ومن العراف؟ ولماذا نحن؟" ثم تلمح عيناه فردة حذاء مألوفة فيشير قائلًا: "أليس هذا حذاء الجارحي يا أشرف؟" فيندفع الثلاثة نحوه، لكن روان تحذرهم: "لو أسطورة الفيل الأزرق حقيقية، فالأفضل نتحرك معًا ولا يترك أحد منا الآخر مهما حدث." وقبل أن يكملوا خطواتهم تهتز الأرض من تحتهم ويعلو صوت مألوف: "من هنا… من هنا!" فيلتفتون، فإذا بالجارحي يقف أعلى تلة ينبعث من حوافها نور أزرق كضوء الصندوق، ويصرخ: "اصعدوا بسرعة قبل وصول أشباح الظلام!" وفي الأفق تقترب خيول مدرعة تنفث النار من أنوفها، وعلى سروجها فرسان ضبابيون لا يظهر منهم إلا أصابع عظمية تمسك باللجام. يتجمد عبد الكريم في مكانه من الخوف، لكن فجأة يظهر رجل غامض من بين الصخور بيده غصن شجرة، يسحبه في اللحظة الأخيرة قبل أن يقطع سيف أحد الأشباح رأسه. لا وقت للأسئلة، فيركض الجميع نحو التلة، ويصل أشرف وروان أولًا، فيستقبله الجارحي باندهاش، لكن أشرف يوجه له لكمة قوية قائلاً: "سوف تقتلنا أيها الفضولي… سنموت بسببك!" يسقط الجارحي مغشيًا عليه، لكن روان تقف بينه وبين أخيها قائلة: "هو مفتاح الخروج… أول من اختاره الفيل الأزرق." ويتساءل عبد الكريم عن الرجل الذي أنقذه، وفجأة يقفز نفس الرجل أمامهم بعصاه مهددًا: "من يقترب من مفتاح الصندوق سأقتله!" وعندما يكشف عن وجهه، تتسع أعينهم بالدهشة… إنه الدكتور علاء جاد الله، عالم الحفريات المفقود وصاحب الشقة الغامضة، الذي يروي لهم كيف أن أسطورة الفيل الأزرق حقيقية، وأنه يحارب السافلين والأشباح ليبقى الشر حبيس الصندوق، لكن كل خمسين عامًا يهرب واحد من كل عشيرة فيعم الخراب، وهذه المرة وقع الاختيار عليهم ليكونوا جزءًا من المعركة القادمة، مع ثمن لا مفر منه.

كانت الأرض تئن تحت وطأة خيول الظل المدرعة، وصراخ فرسانهم يمزق الهواء. "لا وقت للتردد!" صاح الدكتور علاء، وجذع الشجرة في يده ينبض بضوء أزرق قبل أن يتحول إلى سيف من كريستال، "إما أن تتحدوا قواكم، أو نصبح جميعًا أشباحًا في هذا العالم!"

بدأ الجارحي، الذي كان يرتجف، بالاستسلام لقوته. تحول جسده ببطء، وكسرت عظامه لتتخذ شكلاً جديدًا. تحول إلى فيل أبيض عملاق، مقدس، لكن عينيه كانتا تفيضان بالرعب. كل فكرة تخترق عقله الآن، كل صرخة خوف من فرسان الظل، كل خطة شريرة، كانت تجعله يرتجف ويتألم. "إنهم يخططون لإحاطتنا!" صرخ بصوت عميق، "خمسة من جهة اليسار، وثلاثة من الخلف! أرى أفكارهم... أرى شرهم!"

شعر عبد الكريم ببرودة قاتلة تسري في ذراعه، وبدأت الرمال من حوله تلتف وتتجمع. تحول إلى عملاق رملي، يمتطي حصانًا من الرمال المتحركة، وعيناه تلمعان بلهيب أزرق. "التجمد لا يكفي!" صاح بصوت خشن، "إنهم يحترقون بالشر! سأجمد أرواحهم!" انطلق نحو فرسان الظل، وكلما لامس واحدًا منهم، كان يتجمد في مكانه، متحولًا إلى تمثال من الرمل الأسود، ولكن في كل مرة كان جزء من روحه يتبخر، تاركًا ورائه إحساسًا بالبرودة والفراغ.

أما أشرف، فقد شعر بنداء حماية أصدقائه، وبدأ جسده ينمو بشكل مخيف. تحول إلى دب أبيض عملاق، يطلق زئيرًا يهز الجبال. لكن قوته لم تكن مجرد حماية؛ كانت غريزة قاسية لا تعرف الرحمة. كان يندفع نحو الفرسان، ويستخدم قوته ليسحقهم، ولكن كل ضربة كان يوجهها كانت تترك ندبة سوداء على جلده الأبيض، وكأن الشر يتسلل إلى داخله.

روان، التي كانت تدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الحب، بدأت تستجمع قواها. تحولت إلى فراشة عملاقة، أجنحتها الشفافة تنبض بضوء خافت. كانت تحلق فوق رؤوسهم، وتطلق صرخات عالية، وتهب حولهم رياحًا قوية. "أنا أراقبكم! لن يؤذي أحد من أحبهم!" صاحت، ولكن في كل مرة كانت تحمي أصدقائها، كانت تشعر بألم حارق في قلبها، وكأنها تدفع ثمنًا باهظًا لسلامتهم.


"إنهم يتراجعون!" صاح الجارحي، "لكن هذا فخ!"

انطلق الجميع نحو التلة، لكن العرّاف ظهر فجأة أمامهم، وقد نمت له أجنحة ضخمة من الظلام. "لا مفر!" صرخ. "لن تهزموني أبدًا، أنا هنا لأبقى!"

توجه الدكتور علاء نحوه، وسيفه الأزرق يلمع. "أنت مخطئ! أنت مجرد وهم! قل لنا أين الفيل الأزرق الحقيقي!"

"الفيل الأزرق الحقيقي؟" ضحك العراف بصوت قبيح. "أنه حبيس هذا الصندوق! وهو ينتظر أن يتم تحريره!"

في تلك اللحظة، شعر الجارحي بصدمة قوية. "إنه يكذب! إن الفيل الأزرق الحقيقي هو حارس هذا العالم! إنه ليس حبيسًا!" صاح.

انقض عليهم العراف، واندفعت الفراشة روان نحو العراف، وضربته بقوة، بينما كان الدب أشرف يندفع نحو العراف، ويسحقه بقوة. لكن العراف كان أقوى مما توقعوا.

"لقد خسرتم!" صاح العراف، "الآن، ستصبحون خدمي!"

انفتح الصندوق، وخرج منه ضوء أزرق كثيف ابتلع الأبطال، وتركهم مكدسين على الأرض، بينما كان صوت العراف يضحك في رؤوسهم.

يفتحون أعينهم، فيجدون أنفسهم في شقتهم، والصندوق مغلق على الطاولة. يمسكه أشرف، فيجده ثقيلًا جدًا، وعندما يفتحه، يجد بداخله قلباً ينبض ببطء، قلباً أزرق من الكريستال.

"هل انتهى كل شيء؟" يسأل عبد الكريم، لكن في تلك اللحظة، يشم الجارحي رائحة غريبة.

"أشم رائحة دم!" يصرخ.

ينظرون إلى بعضهم، وفجأة، يسمعون صوتًا يأتي من داخل رأس كل منهم: "لم تنتهِ اللعبة بعد... أنا الآن جزء منكم... أنتم من وقع عليه الاختيار لتكونوا حراسي الجدد... سنعيش معًا، في عالمكم... ولن تغلقوا الصندوق أبدًا!"

يسمعون صوتًا يضحك داخل رؤوسهم، ويشعرون ببرودة غريبة، ثم يسمع الجارحي صدى خطوات، ويرى عبد الكريم تجمدًا يتسلل إلى أصابعه، ويرى أشرف يده تتحول إلى مخلب، بينما تسمع روان صرخات الأرواح داخل عقلها.

الصندوق الآن مغلق، ولكن شره تحرر، وأصبح يعيش داخلهم.

"لقد عدنا..." قال أشرف بصوت منخفض، "ولكن ليس كما ذهبنا."

"هل نحن الآن... هم؟" سأل عبد الكريم، لكن لا أحد أجاب. في تلك اللحظة، رن جرس الباب.

"من هناك؟" تساءل عبد الكريم، لكن الجواب لم يأت من الخارج، بل جاء من داخل رؤوسهم.

"افتحوا الباب... أنا العرّاف، وأنا في انتظاركم..."


وقف عبد الكريم أمام الباب، يده ترتعش على المقبض. لم يكن الجرس مجرد صوت، بل كان ترددًا يتردد داخل عظام جمجمته. التفت إلى الخلف، فرأى أشرف و الجارحي وروان، لكنهم لم يعودوا يبدون كبشر؛ كانت ظلالهم على الحائط تتخذ أشكال الوحوش التي تحولوا إليها في العالم الآخر، رغم أن أجسادهم هنا تبدو طبيعية.. تقريبًا.

​قال الجارحي بهمسٍ مبحوح: "لا تفتح يا عبد الكريم.. من خلف الباب ليس العراف، من خلف الباب هو نحن قبل أن ندخل الغرفة."

​تجاهل عبد الكريم التحذير وفتح الباب ببطء. لم يجد أحدًا في الممر، لكنه وجد شيئًا أغرب. الممر الطويل للبناية قد اختفى، وحل محله امتداد لا نهائي من المرايا المتقابلة. وفي كل مرآة، كان يرى مشهدًا مختلفًا لمستقبلهم:

​رأى أشرف وهو يجلس على مائدة السفرة، يلتهم قلوبًا من الكريستال الأزرق وعيناه دامعتان.

​رأى روان وهي تطير فوق مدينة محترقة، تنثر غبارًا ذهبيًا يحول الناس إلى تماثيل صامتة.

​رأى نفسه وهو يتحول تدريجيًا إلى رمال، يذوب في سجادة الغرفة وهو يصرخ بلا صوت.

​فجأة، نطق الصندوق الموضوع على الطاولة خلفهم، وانبثقت منه يد دخانية أمسكت بكتف أشرف:

​"أتعتقدون أنكم خرجتم؟ الصندوق لم يعد مكانًا.. الصندوق صار هو 'الوقت'. كل ثانية تعيشونها الآن هي نبضة من نبضات قلبي. أنتم لا تتنفسون الهواء، أنتم تتنفسون ذكريات الذين هلكوا قبلك."

​سقطت روان على ركبتيها، وبدأت أجنحتها الشفافة تظهر للعيان، وبدأت الشقة تتلاشى جدرانها لتكشف عن فضاء أسود لا نهائي، حيث يسبح الفيل الأزرق الضخم فوقهم، عيناه مجرات من النجوم الميتة.

​نظر الجارحي إلى يده، وجد أن ساعته لا تتحرك، لكن عقاربها تحفر في جلده. صاح بصوت لم يعد يشبه صوته: "لقد دفعنا الثمن يا دكتور علاء.. الثمن لم يكن أرواحنا، الثمن كان أن ننسى كيف نكون بشرًا!"

​وفي تلك اللحظة، انطفأت الأضواء تمامًا، ولم يتبقَ في الظلام سوى أربع أزواج من العيون تتوهج باللون الأزرق، وصوت العراف يهمس همسته الأخيرة:

"الآن.. بدأت الحكاية من نهايتها."


في اللحظة التي أوشك فيها الظلام على ابتلاع الغرفة بالكامل، ظهر "دكتور علاء" وسط الحطام. لم يكن يركض، بل كان يمشي ببطء وكأن قدميه أصبحت جزءًا من أرضية الشقة. كان جسده يتلاشى من الأطراف، يتحول إلى أوراق بردي قديمة تتطاير في الهواء.

صرخ أشرف وهو يحاول كبح جماح مخلبه الذي بدأ يمزق خشب الطاولة: "يا دكتور.. أنقذنا! ماذا فعلت بنا؟"

نظر إليهم الدكتور علاء بنظرة باردة، ممزوجة بشفقة مريرة، وقال وصوته يبدو وكأنه آتٍ من بئر سحيق:

"أنا لم أفعل شيئاً.. الصندوق هو من يختار مراياه. لقد كنت حارسه لخمسين عاماً، وظننت أنني أحمي العالم، لكنني اكتشفت أنني كنت فقط 'الغلاف' الذي يحمي الشر من التحلل. والآن.. انتهى وقتي، وبدأ وقتكم."

اندفعت روان نحوه، وأجنحتها ترفرف بقوة تسببت في تحطيم زجاج النوافذ: "يجب أن يكون هناك مخرج! أنت قلت إنك تحارب السافلين!"

ابتسم الدكتور علاء ابتسامة شاحبة، ثم أخرج من جيبه نظارة الجارحي التي سقطت في البداية، لكنها الآن كانت مشروخة تماماً وفي وسط كل عدسة منها ثقب أسود صغير. وضعها في يد الجارحي وقال:

"المخرج ليس للوراء.. المخرج هو أن تغوصوا في أعماق الصندوق أكثر. لكي تهزموا الفيل الأزرق، يجب أن تصبحوا أنتم 'الفيل'. يجب أن تستهلكوا قوته قبل أن يستهلك أرواحكم. واحد منكم يجب أن يضحي بذاكرته تماماً ليبقى الآخرون بشرًا."

وفجأة، بدأ جسد الدكتور علاء ينفجر إلى آلاف الفراشات السوداء التي هجمت على الصندوق، محاولة إغلاقه لثوانٍ أخيرة ليعطيهم فرصة للهرب أو القرار.

في هذه اللحظة، رن جرس الباب مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الصوت خلف الباب هو صوت والدة أشرف وروان وهي تنادي من الخارج: "أشرف.. روان.. افتحوا يا أولاد، لماذا الصمت في الداخل؟"

تجمد الجميع.. هل هي حقاً والدتهم؟ أم أن العرّاف بدأ يتلاعب بأعز ما يملكون؟

نظر عبد الكريم إلى أصدقائه، وعيناه تلمعان بلهيب الرمل الأزرق، وقال بصوت حازم:

"لا تفتحوا.. الأم التي نعرفها لا تطرق باباً في عالم السافلين. استعدوا.. المعركة لم تعد على الأرض، المعركة الآن داخل عقولنا."

كان صوت الأم في الخارج يزداد إلحاحًا، وصوت دقات قلب الصندوق يزداد وحشية. نظر الجارحي إلى نظارته المشروخة في يده، ثم نظر إلى روان وأشرف وعبد الكريم؛ رأى في عيونهم بقايا إنسانية توشك على الغرق.

خطا الجارحي نحو الصندوق بخطوات ثابتة لم يعهدها فيه أصدقاؤه من قبل. قال وصوته يرتجف:

"كنت دائمًا أبحث عن الحقيقة في الكتب والمناقشات.. والآن الحقيقة تنظر إليّ من داخل هذا السواد. عبد الكريم، أشرف.. خذوا روان واخرجوا. أنا من فتح الباب بفضولي، وأنا من سيغلقه بذاكرتي."

"لا يا جارحي!" صرخت روان وهي تحاول الإمساك بيده، لكن بشرته كانت قد بدأت تتحول إلى مادة باردة تشبه الكريستال الأزرق.

لم يلتفت الجارحي، بل وضع يده على قلب الصندوق النابض. في تلك اللحظة، انبعث سيل من الصور والذكريات من رأسه واتجه مباشرة إلى جوف الصندوق: صور طفولته، وجه أمه، الندوات التي حضرها، ذكريات دراسته، وحتى ملامح أصدقائه الواقفين خلفه.. كل شيء بدأ يتبخر كدخان أزرق.

صاح العرّاف داخل رؤوسهم بصوت غاضب: "ماذا تفعل؟ أنت تمحو وجودك! ستصبح جسدًا بلا روح.. وعاءً فارغًا لنا!"

رد الجارحي بابتسامة خالية من المعنى، وعيناه بدأت تفقدا لونهما لتصبحا بيضاء تمامًا:

"سأكون وعاءً فارغًا.. لكنكم لن تجدوا فيه ذكرى واحدة تدلكم على أصدقائي. ارحلوا عنهم.. أنا القربان."

فجأة، انفجرت الشقة بنور أبيض باهر. شعر الثلاثة بقوة تدفعهم نحو الباب الذي انفتح فجأة ليجدوا أنفسهم يطيرون في ممر البناية الحقيقي. سقطوا على الأرض لاهثين، والصمت يخيم على المكان.

ركض أشرف نحو باب الشقة وفتحه بقوة.. كانت الشقة هادئة، الغبار يغطي المكان وكأن أحدًا لم يدخلها منذ قرون. لا صندوق، لا فيل أزرق، ولا أثر لدكتور علاء.

وفي وسط الصالة، كان الجارحي يجلس على الأرض، مرتديًا نظارته السليمة، ينظر إلى الفراغ بهدوء مخيف.

ركضوا نحوه: "جارحي! أنت بخير؟ هل انتهى الأمر؟"

نظر إليهم الجارحي بوجه غريب، وجه لا يحمل حزنًا ولا فرحًا، ولا حتى معرفة. سأل بصوت طفولي نقي ومخيف في آن واحد:

"من أنتم؟ ولماذا تبكون في بيتي؟"


خلفه، على الحائط، كانت هناك لوحة قديمة باهتة لفيل أزرق، بدا للحظة وكأنه يغمز بعينه الحمراء قبل أن يختفي تحت طبقة الغبار. لقد نجوا.. لكن الجارحي بقي هناك، في مكان ما داخل الصندوق، حيث لا توجد أسماء ولا وجوه، وحيث يظل "السافلون" ينتظرون الحارس القادم

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر

القربان _لعنة الصندوق الأسود