القربان _لعنة الصندوق الأسود

 القربان _لعنة الصندوق الأسود



كانت الليلة ساكنة، والحديقة غارقة في سكونٍ ثقيلٍ لا يُكسر إلا بصوت المعول وهو يخترق الأرض.

أشرف، البستاني الشاب، كان يعمل متأخرًا كعادته. في زاويةٍ من الحديقة، عند جذع شجرةٍ هرِمة، ارتطم معوله بشيءٍ صلب. أزاح التراب، فظهر صندوق أسود صغير، كأن الأرض أنجبته بعد ألف عام من الصمت.


جلس أشرف على ركبتيه، يتحسس الصندوق بعينين تلمعان بالفضول، وقال هامسًا:

«يمكن كنز... أو حاجة قديمة من أيام البهوات.»


لكن ما إن فتحه، حتى اندفع منه ضبابٌ رماديّ كثيف، باردٌ كأنفاس الموتى.

اختفى سريعًا، ليكشف عن قلادة معدنية على هيئة رأس فيلٍ أزرق، له أنياب فضية وعينٌ حمراء تشعّ في الظلام.



تردد لحظة، ثم ضحك قائلاً:

«جميلة دي... شكلها أثري. يمكن أبيعها.»

ووضعها حول عنقه دون أن يدرك أنه أطلق الشرّ من سباته الطويل.




تلك الليلة، بدأ كل شيء.


لم ينم أشرف. كلما أغمض عينيه، سمع دقات قلبٍ ليست دقاته، تأتي من الصندوق الأسود الذي تركه قرب السرير.

ثم جاءت الهمسات:


> "أنت من اخترته... أنت من سيقاتل..."

 وبدأ يسمع صوت يحكى له بصوت ساخن داخل أذنه وبدأت الكلمات تتحول الى حقيقه وهو يشاهد ما يسمع وكأنه كان هناك وقتها بكامل وعيه 

قبل آلاف السنين، في عصرٍ لم تدونه كتب التاريخ، كانت هناك مملكة تُدعى أزوريا (أو أرض الضباب الأزرق). لم يكن ملوكها بشراً عاديين، بل كانوا "أوصياء" يحفظون التوازن بين عالم الأحياء وعالم الظلال.

​ أن الملك الأول لأزوريا، حين شعر بدنو أجله وخشي على مملكته من الغزو، أمر كهنته بصهر "معدن النجوم" مع قطرات من دماء الفيلة المقدسة. شُكلت القلادة على هيئة رأس فيل، ووضعت في عينها "ياقوتة الدماء" التي يُقال إنها تنبض مع قلب الملك نفسه.

و​في المعركة الأخيرة ضد جيوش الظلام، أدرك الملك أن الهزيمة محتومة. لكي لا يقع سر قوته في أيدي الأعداء، قام بحبس روحه وجزء من جيشه داخل القلادة، ووضعها في صندوق من الخشب الأسود المحروق بلهيب بركاني، ونفث عليه تعويذة تجعل الصندوق "يغوص" في الأرض ولا يظهر إلا لمن يمتلك "النداء" أو حين يرتطم به معدن في لحظة سكون تام.


كما أن ​العين الحمراء في القلادة ليست مجرد زينة؛ إنها بوصلة للأرواح.

​عندما تلمع، فهذا يعني أن القلادة بدأت بامتصاص طاقة صاحبها الجديد.

​لهذا السبب شعر أشرف بدقات قلب غريبة؛ فالقلادة كانت تبحث عن "قلب بديل" ليعود الملك للحياة.

اما ​الحديقة التي كان يعمل بها أشرف ليست مكاناً عشوائياً. تاريخياً، كانت هذه الأرض هي "نقطة التلاشي"، وهي البقعة الأخيرة التي صمد فيها جيش الملك قبل أن تبتلعهم الأرض. الأشجار الهرمة في الحديقة هي في الحقيقة "حراس صامتون" نمت جذورهم فوق جسد التاريخ المدفون.

واذا به ​"رأى رايات زرقاء تمزقها الرياح، وفيلة ضخمة تندفع نحو هاوية من نار، وصوت صراخ يتردد بصوت معدني: (سنعود حين يحرث الغريبُ صمتنا)."




فتح عينيه مفزوعًا، فرأى على سقف الغرفة ظلّ رأس فيلٍ ضخم يتحرك ببطء، وعيناه تشتعلان بلون الدم.

أمسك القلادة ليخلعها، لكنها التصقت بجلده، تندمج مع صدره كما تندمج الندبة باللحم.

صرخ من الألم، كأن شيئًا يمزق قلبه من الداخل.


وحين نهض ليهرب، فتح الباب...

فلم يجد شقته، بل صحراء ممتدة بلا نهاية.

ريحٌ جافة تحمل رائحة الدم، وفي الأفق معركةٌ تدور بين كائناتٍ لا تُشبه البشر.

صرخ بأعلى صوته، فاهتزّت الرمال، وسقط على ركبتيه.


سمع الصوت ثانية، أكثر وضوحًا، يملأ رأسه:


> "أنا الفيل الأزرق... أنا الأسطورة التي تنبض فيك.

لقد اخترتك لتكون سيفي ودرعي في حربٍ لم تنتهِ بعد."




لم يفهم... أهو يحلم؟ أم أنه مات ودفن في تلك الحديقة؟


في الصباح، وجده أحد الحراس فاقد الوعي، والصندوق الأسود مفتوح إلى جواره، خالٍ تمامًا.

أفاق أشرف، لكن عينيه لم تكونا كما كانتا...

كانتا تتلألآن بضوءٍ أزرقٍ غريب.

ومنذ تلك الليلة، تغيّر كل شيء.

صار يرى وجوهًا في المرايا، يسمع دقات قلبٍ في الجدران، ويشعر بأن شيئًا بداخله ينمو، ويستيقظ.


وذات مساءٍ، اختفى.

ترك خلفه غرفته، وعلى الجدار رسمٌ غريبٌ لفيلٍ أزرق بعينٍ حمراء، وتحتها جملة كتبها بدمٍ جاف:


> "الملك استيقظ... الحرب بدأت."





ومنذ ذلك الحين، يقول بعض العمال إنهم يسمعون دقات قلبٍ تأتي من تحت الشجرة القديمة...

وصوتًا يهمس في الظلام:


> "أنا لم أرحل بعد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القربان – الغرفة التي لا تُفتح

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر