أزوريا الفصل العاشر الختم والوريث


 أزوريا – الفصل العاشر

الختم والوريث

بقلم محمد جمال الجارحي

لم يعرف أشرف كم مر من الوقت.

ثانية...

أم ساعة...

أم سنوات.

كان الظلام يحيط به من كل اتجاه.

لا أرض تحت قدميه.

ولا سماء فوقه.

ولا صوت.

ثم...

سمع صوتًا.

صوتًا يعرفه جيدًا.

«أشرف...»

فتح عينيه.

كان السقف فوقه.

سقف غرفته.

تجمد مكانه.

نظر حوله بسرعة.

لا مرايا.

لا ضباب.

لا أزوريا.

لا ملك ظلام.

كان كل شيء كما يعرفه.

الغرفة.

النافذة.

الضوء الخافت.

ثم رأى شيئًا بجواره.

الكرسي.

ظل ينظر إليه طويلًا.

ثم همس:

«درع...»

وفي اللحظة نفسها...

سمع صوته.

لكن ليس بأذنيه.

كان الصوت يأتي من مكان قريب جدًا.

من داخله.

«أنا هنا يا حارس البوابة.»

أغمض أشرف عينيه للحظة.

ثم فتحهما.

وضع يده على ذراع الكرسي.

وقال:

«كنت معايا طول الوقت...»

جاء صوت درع هادئًا:

«ألم أقل لك إنني حارسك؟»

ابتسم أشرف ابتسامة صغيرة.

لكنها اختفت سريعًا.

نظر إلى قدميه.

كان واقفًا في أزوريا.

كان يتحرك.

كان يركض.

كان يشعر بالأرض تحت قدميه.

حاول أن يحركهما.

انتظر.

لا شيء.

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم قال:

«هناك... كنت واقف.»

لم يرد درع.

قال أشرف:

«في أزوريا كنت بمشي.»

ثم ضرب بيده ذراع الكرسي.

«ولما رجعت... رجعت زي الأول.»

قال درع:

«لم تعد كما كنت يا أشرف.»

رفع رأسه.

«إيه اللي اتغير؟»

صمت درع.

ثم قال:

«أنت.»

وفجأة...

انفتح باب الغرفة.

دخلت امرأة ببطء.

كانت تحمل كوب ماء.

لكن عندما رأت أشرف مستيقظًا...

سقط الكوب من يدها.

تحطم على الأرض.

قالت بصوت مرتجف:

«أشرف؟»

رفع رأسه.

نظر إليها.

كانت أمه.

لكن هذه المرة...

لم ير فيها أمه فقط.

رأى شيئًا آخر.

صورة قديمة.

حدائق.

ورود مضيئة.

سماء أزوريا.

وصوت جسر يقول اسمًا.

ورد القمر.

ظل ينظر إليها.

توقفت هي في مكانها.

ثم قال:

«ورد القمر.»

تجمدت.

لم تتحرك.

لم تتكلم.

قال أشرف مرة أخرى:

«إنتِ... ورد القمر؟»

اقتربت منه ببطء.

كانت عيناها تمتلئان بالخوف.

قالت:

«جسر أخبرك؟»

لم يجب أشرف.

كان قلبه ينبض بقوة.

قالت مرة أخرى:

«جسر أخبرك يا أشرف؟»

قال بصوت منخفض:

«كان عايز أقولك إني بخير.»

انخفض رأسها.

وسقطت دمعة من عينها.

«أنا بخير يا ورد القمر.»

كانت هذه الكلمات.

الكلمات التي قالها لها أشرف من قبل.

لكنها هذه المرة لم تبدُ غريبة.

اقتربت منه.

وجلست أمامه.

وضعت يدها على وجهه.

وظلت تنظر إليه طويلًا.

ثم قالت:

«خلاص...»

رفع أشرف حاجبه.

«إيه؟»

قالت:

«خلاص يا ابني.»

صمتت لحظة.

ثم أضافت:

«مبقاش ينفع أخبي عليك أكتر من كده.»

ساد الصمت.

نظر أشرف إليها.

ثم قال:

«من البداية.»

لم تفهم.

قال:

«المرة دي مش عايز نص حقيقة.»

اقترب أكثر.

«عايز أعرف كل حاجة.»

نظرت ورد القمر إلى الأرض.

«كل حاجة صعبة يا أشرف.»

قال:

«أنا عشت عمري كله في الصعب.»

رفعت عينيها إليه.

كانت متعبة.

لأول مرة...

رأى أشرف التعب الحقيقي في وجهها.

ليس تعب المرض فقط.

بل تعب سنوات.

سنوات من الخوف.

والانتظار.

والصمت.

قالت:

«أبوك كان عارف إن اليوم ده هييجي.»

تجمد أشرف.

«أبويا؟»

أومأت برأسها.

«الملك جسر.»

ساد الصمت.

نظر أشرف إليها.

«إنتِ كنتي تعرفي؟»

ابتسمت بحزن.

«أنا كنت زوجته يا أشرف.»

اتسعت عيناه.

قالت:

«لكن قبل ما أكون أمك... كنت ورد القمر.»

ثم أضافت:

«أميرة أزوريا.»

شعر أشرف أن الغرفة أصبحت أصغر.

نظر إلى أمه.

ثم إلى النافذة.

ثم عاد ينظر إليها.

«أميرة؟»

أومأت برأسها.

«أبوك كان ملك أزوريا.»

قال:

«وأنا؟»

لم تجب فورًا.

مدت يدها نحو ذراعه.

رفعت كم قميصه ببطء.

ظهر الختم.

كان هادئًا.

كأنه مجرد علامة قديمة.

لكن ورد القمر كانت تنظر إليه بطريقة مختلفة.

طريقة شخص يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.

قالت:

«إخواتك كلهم عندهم أختام.»

رفع أشرف عينيه إليها.

«إخواتي؟»

قالت:

«كل أبناء جسر يحملون ختم المملكة.»

صمتت لحظة.

ثم مررت أصابعها فوق ختمه.

«لكن ختمك مختلف.»

شعر أشرف ببرودة تسري في ذراعه.

قال:

«إيه معناه؟»

رفعت رأسها.

ونظرت في عينيه مباشرة.

وقالت:

«الخلافة.»

ساد الصمت.

لم يتحرك أشرف.

ثم ضحك ضحكة قصيرة.

«أنا؟»

لم تضحك.

«أيوه.»

أشار إلى نفسه.

«أنا اللي على كرسي؟»

قالت:

«الخلافة لا تختار جسدًا يا أشرف.»

توقف عن الابتسام.

أكملت:

«ولا تختار أقوى شخص.»

«ولا أسرع شخص.»

«ولا الشخص اللي عمره ما غلط.»

اقتربت أكثر.

«الخلافة تختار الشخص اللي يقدر يحملها.»

نظر إليها أشرف.

«وأنا أقدر؟»

أغمضت عينيها للحظة.

ثم قالت:

«أبوك كان مؤمن بده.»

انخفض رأس أشرف.

قال:

«أبويا مات وأنا معرفتش عنه حاجة.»

ارتجف صوت ورد القمر.

«عارفة.»

«معرفتش إنه ملك.»

«معرفتش إنه كان بيحميني.»

«معرفتش إن درع كان حارسي.»

نظر إلى الكرسي.

ثم قال:

«ولا حتى عرفت إن ليل كان معايا من طفولتي.»

بدأ صوته يرتفع.

«كل الناس كانت تعرف!»

صمتت ورد القمر.

«وأنا الوحيد اللي عايش في النص ومش فاهم حاجة!»

قالت بصوت منخفض:

«كنا بنحميك.»

نظر إليها بغضب.

«من إيه؟»

لم تجب.

قال:

«من أزوريا؟»

صمت.

«من أبويا؟»

صمت.

ثم اقترب منها.

«ولا من الحقيقة؟»

رفعت عينيها.

وقالت:

«من ملك الظلام.»

توقف.

ساد الصمت.

ثم قالت:

«من أول يوم جيت فيه الدنيا... كان في ناس عارفة إنك مختلف.»

قال أشرف:

«ليه؟»

قالت:

«لأن الختم ظهر.»

نظر إلى ذراعه.

«الختم ده؟»

أومأت.

«الختم ما بيظهرش عند طفل لمجرد إنه ابن الملك.»

سكتت.

ثم قالت:

«ظهر عندك كختم للخلافة.»

اتسعت عيناه.

قال:

«وأبويا عرف؟»

ابتسمت بحزن.

«أبوك كان أول واحد شافه.»

ثم نظرت بعيدًا.

وكأنها ترى مشهدًا قديمًا.

«فاكرة يومها كويس.»

صمتت.

«كان شايلك بين إيديه.»

«وباصص على ذراعك.»

«وأنا كنت خايفة.»

سألها أشرف:

«خايفة من إيه؟»

قالت:

«من اليوم ده.»

نظر إليها.

«أي يوم؟»

عادت بعينيها إليه.

وقالت:

«اليوم اللي ملك الظلام يعرف إن وريث جسر اتولد.»

ساد الصمت.

شعر أشرف ببرودة في جسده.

قال:

«يعني هو كان عارف بيا؟»

أجابت:

«كان بيبحث عنك.»

«من قبل الحادث؟»

أخفضت رأسها.

«أيوه.»

قبض أشرف يده.

«الحادث...»

لم تكمل ورد القمر.

قال:

«الحادث كان بسببه؟»

قالت بسرعة:

«مش كل حاجة حصلت لك كانت بسببه.»

نظر إليها.

«بس؟»

قالت:

«في حاجات الإنسان بيختارها.»

صمت.

«وفي حاجات بتختاره.»

أخذ نفسًا عميقًا.

تذكر المرآة.

تذكر صوت ضي القمر.

وأحيانًا تكون أنت الضحية.

وأحيانًا تكون السبب.

أغمض عينيه.

قال:

«المرآة كانت بتقولي كده.»

ورد القمر رفعت رأسها.

«أي مرآة؟»

فتح عينيه.

«المرآة اللي في أزوريا.»

تغير وجهها.

«قابلت مرآة الحقيقة؟»

أومأ.

ساد صمت طويل.

ثم قالت:

«إذن التدريب بدأ فعلًا.»

قال:

«تدريب إيه؟»

ابتسمت ابتسامة حزينة.

«التدريب اللي أبوك بدأه من وأنت طفل.»

نظر إليها.

ثم تذكر.

الحصان الخشبي.

ليل.

درع.

جسر.

قال:

«إحنا ما كناش بنلعب.»

قالت:

«لا.»

«كنتوا بتجهزوني.»

أومأت.

«أبوك كان بيجهزك.»

قال أشرف:

«عشان أبقى حارس البوابة.»

أجابت:

«وعشان تبقى أكتر من كده.»

نظر إليها.

«إيه أكتر؟»

قالت:

«تبقى قادر تحكم نفسك قبل ما تحكم أي حاجة تانية.»

ساد الصمت.

تذكر كلام جسر.

وتذكر المرايا.

وتذكر وجهه.

غاضبًا.

خائفًا.

ظالمًا.

مظلومًا.

قال:

«عشان كده المرآة ورّتني نفسي.»

قالت ورد القمر:

«الحارس اللي شايف شر الناس بس...»

توقفت.

ثم أكملت:

«ممكن يتحول لواحد منهم وهو مش واخد باله.»

رفع أشرف رأسه.

كانت هذه الكلمات تشبه كلمات جسر.

قال:

«هو قال حاجة شبه كده.»

ابتسمت.

«جسر كان بيقول الكلام ده كتير.»

ثم سكتت.

واختفت ابتسامتها.

قال أشرف:

«إنتِ تعبانة.»

نظرت إليه.

قال:

«أنا شايفك.»

حاولت أن تبتسم.

«أنا كويسة.»

قال:

«لأ.»

ساد الصمت.

قال:

«الدكتور قال إن عندك ورم في المخ.»

لم تجب.

«وتعبتي.»

«واغمي عليكي.»

«وبعدين فجأة اتحسنتي.»

اقترب منها.

«إيه اللي حصل؟»

ورد القمر نظرت إلى يديها.

وقالت:

«أحيانًا يا أشرف... الإنسان بيفضل قوي طول عمره عشان حد تاني.»

رفع حاجبه.

«مش فاهم.»

قالت:

«أنا فضلت ساكتة سنين.»

«خايفة.»

«مستخبية.»

«بعيدة عن أزوريا.»

«وبعيدة عن قوتي.»

سكتت.

«لكن لما أنت رجعت... حاجة جوايا رجعت معاك.»

نظر إليها بدهشة.

«يعني أزوريا شفتك؟»

لم تجب.

قال:

«ولا إنتِ اللي شوفتي أزوريا؟»

ابتسمت ابتسامة غامضة.

«لسه في أسرار يا أشرف.»

نظر إليها بضيق.

«قولتي مفيش أسرار تاني.»

ضحكت للمرة الأولى.

ضحكة قصيرة.

«قولت مش هخبي عليك اللي لازم تعرفه.»

ثم تغير وجهها.

«لكن في حاجات أنا نفسي معرفهاش.»

ساد الصمت.

ثم قال أشرف:

«أبويا مات إزاي؟»

اختفت الابتسامة.

سأل مرة أخرى:

«أبويا مات إزاي يا ورد القمر؟»

أغمضت عينيها.

وبدأت دموعها تنزل.

«مات وهو بيحميكم.»

صمت أشرف.

قالت:

«في ناس بتفتكر إن الملك يموت على عرشه.»

«لكن جسر...»

توقفت.

«جسر مات وهو بيحاول يديكم فرصة تعيشوا.»

قال أشرف:

«يعني ساب المملكة؟»

قالت:

«سابها مؤقتًا.»

رفع رأسه.

«إيه؟»

قالت:

«المملكة من غير ملك مش معناها إنها انتهت.»

ثم نظرت إلى ختمه.

«لكنها محتاجة وريث.»

نظر أشرف إلى ذراعه.

ثم قال:

«أنا؟»

أومأت.

«الخلافة انتقلت ليك.»

ضحك بمرارة.

نظر إلى الكرسي.

ثم قال:

«الخلافة انتقلت لواحد مش قادر يقف.»

في اللحظة نفسها...

جاء صوت درع.

«وأنا هنا.»

تجمد أشرف.

نظر إلى الكرسي.

ورد القمر ابتسمت.

قال درع:

«ومن قال إنك وحدك؟»

أشرف مد يده ووضعها فوق ذراع الكرسي.

قال بصوت منخفض:

«أنا فاكر طول عمري إني كنت قاعد عليك لأنني محتاجك.»

رد درع:

«وأنا كنت حاملك لأنك تحتاجني.»

أغمض أشرف عينيه.

قال درع:

«والفرق كبير.»

فتح أشرف عينيه.

ورد القمر كانت تنظر إليه.

وقالت:

«أبوك ما اختاركش عشان تمشي يا أشرف.»

ساد الصمت.

أكملت:

«اختارك عشان لما تقع... تعرف تقوم.»

نظر إليها.

«بس أنا مش بقوم.»

هزت رأسها.

«مش دايمًا القيام بيكون بالرجلين.»

صمت.

ثم قالت:

«أنت وقعت في حاجات أكبر من الحادث.»

«وقعت لما فقدت حلمك.»

«وقعت لما فقدت ناس بتحبهم.»

«وقعت لما شكيت في نفسك.»

اقتربت.

«ومع ذلك... أنت هنا.»

شعر أشرف بشيء في صدره.

لم يجب.

قالت:

«وأبوك كان عارف إنك هتوصل لليوم ده.»

ثم همست:

«بس هو ما كانش عارف إن اليوم ده هييجي بالطريقة دي.»

وفجأة...

بدأ الختم على ذراع أشرف يضيء.

رفع رأسه بسرعة.

«إيه ده؟»

ورد القمر تجمدت.

كان الضوء مختلفًا.

ليس أزرق.

ولا ذهبيًا.

كان مزيجًا غريبًا من الأزرق والأسود.

تراجعت ورد القمر خطوة.

قال أشرف:

«في إيه؟»

لم تجب.

زاد الضوء.

جاء صوت درع:

«أشرف...»

«إيه؟»

«المشكلة.»

نظر إليه.

«إيه المشكلة؟»

قال درع:

«الختم لا يتوهج هكذا وحده.»

ورد القمر اقتربت من النافذة.

نظرت إلى الخارج.

ثم تراجعت.

قالت بصوت مرتجف:

«ده مستحيل.»

صرخ أشرف:

«حد يفهمني في إيه؟!»

وفجأة...

انطفأت أنوار البيت.

غرق المكان في الظلام.

نهض شعر أشرف.

ثم...

سمع صوتًا.

صوت جسر.

«ورد القمر.»

شهقت.

«جسر؟»

نظر أشرف حوله.

«أبويا؟»

جاء الصوت مرة أخرى.

هذه المرة كان أقرب.

«ورد القمر... اهربي.»

ساد الصمت.

ورد القمر تجمدت.

قال أشرف:

«إيه اللي بيحصل؟»

لكنها لم تجب.

ثم ظهر ضوء أزرق على الحائط.

وتحول إلى دائرة.

بوابة.

نفس البوابة التي رآها أشرف في أزوريا.

لكنها هذه المرة...

كانت داخل بيته.

تراجع أشرف.

وقال:

«أزوريا؟»

لكن صوت جسر جاء للمرة الأخيرة.

وكان مليئًا بالخوف.

«دي مش بوابة أزوريا.»

توقفت أنفاس أشرف.

«أمال بوابة إيه؟»

وقبل أن يجيبه...

ظهر ظل خلف الضوء.

ظل طويل.

رجل.

وعندما اقترب...

ظهرت عينان سوداوان.

تمامًا كما رآهما في المرآة.

تجمد أشرف.

ورد القمر أمسكت بذراعه.

وقال ملك الظلام:

«أخيرًا...»

ساد الصمت.

نظر إلى أشرف.

ثم إلى الختم.

وابتسم.

«الوريث عاد إلى عالمه.»

انطفأ الضوء.

لكن ابتسامته بقيت في الظلام.

ثم جاء صوته:

«والآن... يبدأ اختبار الخلافة.»

يتبع...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القربان – الغرفة التي لا تُفتح

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر

القربان _لعنة الصندوق الأسود