أزوريا – الفصل التاسع مدينة بلا أبطال

 


أزوريا – الفصل التاسع

مدينة بلا أبطال

بقلم محمد جمال الجارحي

انكسرت المرآة.

وغرق أشرف في الظلام.

لم يشعر بالأرض تحت قدميه، ولا بجسده، ولم يسمع صوت ضي القمر أو درع أو حتى ليل.

لم يكن هناك سوى صوت أنفاسه.

فتح عينيه فجأة.

كان يقف في شارع طويل.

نظر حوله.

لم تكن هذه أزوريا.

أو ربما كانت أزوريا، لكنها لم تكن المدينة التي يعرفها.

كانت المدينة مكتظة بالناس.

الجميع يتحرك.

الجميع يتحدث.

الجميع يصرخ.

لكن شيئًا غريبًا كان يحدث.

لم يكن أحد ينظر إلى الآخر.

كان كل شخص يعيش داخل عالمه الخاص.

رأى أشرف رجلًا عجوزًا يجلس على الأرض ويبكي.

اقترب منه وقال:

«هل أنت بخير؟»

رفع الرجل رأسه، وكانت عيناه ممتلئتين بالغضب.

وقال:

«لقد ظلموني جميعًا.»

نظر أشرف حوله.

«من تقصد؟»

أشار الرجل إلى الناس.

«الجميع.»

صمت أشرف.

ثم تابع الرجل:

«لقد كنت طيبًا طوال حياتي.»

قال أشرف:

«وماذا حدث؟»

ابتسم الرجل بسخرية.

«الطيبة في هذا الزمن ضعف.»

ثم نهض وغادر.

ظل أشرف يتابعه بنظره.

وفجأة، ظهر أمامه شاب يركض، وخلفه امرأة تصرخ:

«لص!»

أمسك الناس بالشاب، فسقط على الأرض، وبدأ الجميع في ضربه.

صرخ الشاب:

«لست لصًا!»

اقترب أشرف وقال:

«ماذا حدث؟»

صرخت المرأة:

«لقد سرق أموالي!»

رفع الشاب رأسه وقال:

«كنت بحاجة إليها.»

ساد الصمت.

نظر أشرف إليه.

فقال الشاب:

«أمي مريضة.»

ثم أضاف:

«أنا لست شخصًا سيئًا.»

تجمد أشرف.

كانت الكلمات نفسها تتكرر:

أنا طيب.

أنا مظلوم.

لم أقصد.

كنت مضطرًا.

ابتعد أشرف عن المكان.

ثم سمع صوتًا خلفه:

«بدأت تفهم؟»

استدار بسرعة.

كان ملك الظلام يقف في منتصف الشارع.

لكن هذه المرة، لم يكن أحد يراه.

قال أشرف:

«أنت؟»

ابتسم ملك الظلام.

«أنا.»

قبض أشرف يده.

«أين أصدقائي؟»

نظر ملك الظلام حوله.

«إنهم مشغولون.»

صرخ أشرف:

«ماذا فعلت بهم؟»

ابتسم.

«لم أفعل شيئًا.»

ثم اقترب من أشرف وقال:

«لقد جعلتك ترى فقط.»

نظر أشرف إلى الناس.

وقال:

«ماذا أرى؟»

رفع ملك الظلام يده وأشار إلى المدينة.

«لا يوجد شخص واحد هنا يرى نفسه شريرًا.»

نظر أشرف إليه.

فأكمل:

«كل واحد منهم يملك قصة.»

رأى أشرف رجلًا يصرخ في وجه زوجته، ثم سمعه يقول:

«أنا عصبي بسبب ما عانيته في حياتي.»

ورأى امرأة تبكي لأنها أهانت ابنتها، ثم تقول:

«أنا أخاف عليها فحسب.»

ورأى رجلًا يطرد شخصًا من متجره، ثم يقول:

«أنا أحمي مصدر رزقي.»

ورأى شخصًا يخون صديقه، ثم يقول:

«هو من بدأ.»

توقف أشرف ونظر إلى ملك الظلام.

وقال:

«ما معنى هذا؟»

اقترب منه وقال:

«الشر لا يأتي دائمًا وهو يقول: أنا شر.»

ساد الصمت.

ثم قال ملك الظلام:

«أحيانًا يأتي وهو يقول: أنا الضحية.»

اتسعت عينا أشرف.

قال:

«هل تريد أن تقول إن جميع الناس أشرار؟»

ضحك ملك الظلام.

«لا.»

ثم اقترب أكثر.

«أنا أقول إن كل إنسان قادر على أن يصبح وحشًا، عندما يجد لنفسه مبررًا.»

نظر أشرف إليه بغضب.

«وأنت؟»

توقفت ابتسامة ملك الظلام.

قال أشرف:

«لا بد أن لديك مبررًا أنت أيضًا.»

ساد الصمت.

وللمرة الأولى، لم يجب ملك الظلام.

اقترب أشرف منه.

«كل ما تفعله من قتل وخوف ودمار... لا بد أن لديك سببًا، أليس كذلك؟»

نظر ملك الظلام إلى الأرض.

ثم قال:

«بالطبع.»

قال أشرف:

«إذن أنت ترى نفسك طيبًا؟»

رفع ملك الظلام رأسه ببطء وقال:

«لا.»

تجمد أشرف.

اقترب ملك الظلام وقال:

«وهنا يكمن الفرق بيني وبينهم.»

صمت لحظة، ثم تابع:

«أنا أعرف حقيقتي.»

اهتزت الأرض.

وظهر صوت ضي القمر من بعيد:

«أشرف!»

استدار بسرعة.

«ضي!»

ركض، لكن الشارع بدأ يختفي، وبدأ الناس يتحولون إلى ظلال.

صرخ أشرف:

«ضي!»

جاءه صوت ملك الظلام من خلفه:

«الجميع يكذبون يا أشرف.»

استدار.

فقال ملك الظلام:

«يكذبون على الناس.»

ثم أشار إلى رأسه.

«وأول من يكذبون عليه هو أنفسهم.»

ظهر ضوء قوي، فسقط أشرف على الأرض.

فتح عينيه.

كان في مكان مختلف.

غرفة كبيرة، تتوسطها طاولة طويلة، وحولها عشرات الأشخاص يجلسون في صمت.

اقترب أشرف ببطء.

نظر إلى الرجل الأول، فوجده ينظر إليه مباشرة.

قال الرجل:

«أنا بطل.»

انتقل إلى الرجل الثاني.

فقال:

«وأنا ضحية.»

وقال الرجل الثالث:

«لم أقصد.»

وقال الرابع:

«كنت مضطرًا.»

وقال الخامس:

«لقد ظُلمت.»

بدأ الجميع في التحدث:

«أنا طيب.»

«أنا مظلوم.»

«لم أبدأ.»

«كنت أدافع عن نفسي.»

«هو السبب.»

«هي السبب.»

«هم السبب.»

ارتفعت الأصوات.

وضع أشرف يديه على أذنيه.

«كفى!»

لكن الأصوات استمرت.

ثم ساد الصمت فجأة.

نظر الجميع إليه وقالوا بصوت واحد:

«وأنت؟»

تجمد أشرف.

اقتربت منه امرأة وقالت:

«هل أنت بطل؟»

واقترب رجل وقال:

«أم ضحية؟»

واقترب طفل وقال:

«أم مذنب؟»

نظر أشرف حوله، ثم قال:

«أنا...»

لكنه توقف، لأنه لم يعرف الإجابة.

ظهر ملك الظلام في آخر الغرفة وقال:

«أجبهم يا أشرف.»

بدأت الطاولة تهتز.

«من أنت؟»

نظر أشرف إلى الناس، ثم إلى نفسه، وقال بصوت منخفض:

«أنا إنسان.»

ساد الصمت.

ابتسم ملك الظلام، لكن ابتسامته لم تكن غاضبة، بل حزينة.

قال:

«إجابة جميلة.»

ثم بدأ يصفق ببطء.

«لكنها ناقصة.»

ظهر خلف أشرف باب أسود ضخم.

وقال ملك الظلام:

«الإنسان الذي لا يعرف نفسه...»

بدأ الباب ينفتح.

«يمكنه أن يفعل أي شيء.»

خرج من خلف الباب صوت مخيف.

كان هناك شخص ما.

أو شيء ما.

اقترب أشرف، لكن قبل أن يدخل، سمع صوتًا يعرفه جيدًا.

صوت درع:

«أشرف! لا تدخل!»

توقف.

ثم جاء صوت ليل:

«هذه ليست لعبة!»

ثم ظهر صوت ضي القمر:

«إذا دخلت، فقد ترى شيئًا لن تتمكن من نسيانه.»

نظر أشرف إلى الباب، ثم إلى ملك الظلام، وقال:

«ماذا يوجد في الداخل؟»

ابتسم ملك الظلام وقال:

«أغرب مشروع صنعه البشر.»

اقترب أشرف خطوة.

«أي مشروع؟»

قال ملك الظلام:

«مدينة.»

اتسعت عينا أشرف.

ثم أضاف:

«مدينة أراد أهلها أن يصنعوا فيها عالمًا مثاليًا.»

بدأ الباب ينفتح أكثر.

وقال:

«بلا جريمة.»

«بلا كراهية.»

«بلا ألم.»

نظر أشرف إليه.

«وماذا حدث؟»

اختفت ابتسامة ملك الظلام.

وقال:

«اكتشفوا أن أكبر مشكلة في العالم...»

ساد الظلام.

ثم جاء صوته:

«هي الإنسان.»

دخل أشرف من الباب.

وفي اللحظة نفسها، أُغلق الباب خلفه.

وظهرت أمامه مدينة ضخمة.

مدينة جميلة.

نظيفة.

هادئة.

لكن لم يكن فيها أحد يضحك.

ولم يكن فيها أحد يبكي.

ولم يكن فيها أحد غاضبًا أو خائفًا.

وقف أشرف في منتصف المدينة وقال بصوت منخفض:

«ما هذا المكان؟»

جاء صوت ملك الظلام من كل مكان:

«مرحبًا بك يا أشرف...»

ظهرت في السماء عين سوداء.

«في المدينة التي نجحت في القضاء على الشر.»

صمت لحظة، ثم قال:

«عن طريق القضاء على شيء آخر.»

رفع أشرف رأسه وقال:

«ما هو؟»

أجاب الصوت:

«الحرية.»

يتبع...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القربان – الغرفة التي لا تُفتح

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر

القربان _لعنة الصندوق الأسود