المرآة التي لا تكذب
بقلم محمد جمال الجارحي
انطفأت أنوار أزوريا لحظة.
ثم ظهرت في السماء عين سوداء ضخمة.
قال جسر:
«سيعرف ملك الظلام أن حارس البوابة قد استيقظ.»
نظر أشرف إلى العين السوداء.
ثم قبض يده.
وقال:
«خليه يعرف.»
ساد الصمت.
كانت العين السوداء الضخمة ما تزال معلقة في سماء أزوريا.
نظر أشرف إليها دون أن يتحرك.
كانت عينًا واحدة...
لكنها جعلته يشعر وكأن آلاف العيون تراقبه.
قبض يده.
وقال:
«خليه يعرف.»
في اللحظة نفسها...
اختفت العين.
وعادت السماء إلى ظلامها.
نظر أشرف إلى درع وقال:
«إذن... نبدأ التدريب؟»
لم يجب درع.
نظر إلى ليل.
فقال ليل:
«نعم.»
ابتسم أشرف.
«وأول تدريب هيكون إيه؟»
اقترب منه درع ببطء.
وقال:
«لن تستخدم يدك.»
رفع أشرف حاجبه.
ثم قال:
«يعني إيه؟»
اقترب ليل من جانبه الآخر.
وقال:
«ولن تحتاج إلى قدميك.»
نظر أشرف إلى قدميه.
كان ما زال يشعر بالدهشة.
لأول مرة منذ سنوات...
يقف دون كرسي.
دون عكاز.
دون أن يحتاج إلى أحد.
قال:
«طب هتدرب على إيه؟»
ظهرت ضي القمر أمامه.
لكن هذه المرة...
لم تكن تبتسم.
قالت:
«ستتدرب على أصعب شيء يمكن أن يتعلمه الإنسان.»
نظر إليها أشرف.
«إيه هو؟»
اقتربت منه.
ثم قالت:
«أن تنظر إلى نفسك.»
ساد الصمت.
قال أشرف ضاحكًا:
«أنا شايف نفسي أهو.»
نظرت ضي القمر إلى عينيه.
وقالت:
«لا يا أشرف... أنت شايف الصورة اللي حابب تشوفها.»
اختفت ابتسامته.
قال:
«يعني إيه؟»
أشارت ضي القمر إلى مكان بعيد.
فبدأ الضباب يتحرك.
وتحولت الأرض أمامهم.
إلى ممر طويل.
على جانبيه...
ظهرت مرايا ضخمة.
توقف أشرف.
نظر إلى أول مرآة.
فرأى نفسه.
اقترب منها.
كان يرتدي ملابسه نفسها.
ويقف على قدميه.
ابتسم.
لكن فجأة...
تحرك انعكاسه وحده.
تراجع أشرف خطوة.
وقال:
«إيه ده؟»
قال درع:
«المرآة لا تعرض شكلك.»
قال ليل:
«تعرض حقيقتك.»
نظر أشرف إلى ضي القمر.
«حقيقتي؟»
قالت:
«كل ما هربت منه.»
تقدم أشرف ببطء.
نظر إلى المرآة.
وفجأة...
تغيرت الصورة.
رأى نفسه في مكان قديم.
كان يتحدث مع شخص.
صوته مرتفع.
وكان غاضبًا.
صرخ أشرف:
«أنا مش الشخص ده!»
لكن المرآة لم تتوقف.
رأى نفسه يصرخ.
يرى شخصًا آخر يحاول تهدئته.
لكنه لم يستمع.
ثم...
اختفت الصورة.
نظر أشرف إلى الجميع.
وقال:
«كل الناس بتغلط.»
لم يرد أحد.
انتقل إلى المرآة الثانية.
ظهر أشرف مرة أخرى.
لكنه كان صامتًا.
أمامه شخص يحتاج إليه.
يطلب منه المساعدة.
لكنه استدار ومشى.
قال أشرف:
«أنا كنت زعلان وقتها.»
جاء صوت من داخل المرآة:
«وكل من أذاك كان لديه سبب أيضًا.»
تجمد أشرف.
نظر إلى المرآة.
وقال:
«مين قال كده؟»
لم تجبه.
انتقل إلى المرآة الثالثة.
هذه المرة...
رأى نفسه يثق في شخص.
يعطيه كل شيء.
ثم يكتشف أن هذا الشخص خانه.
ضحك أشرف بسخرية.
وقال:
«أهو ده مش غلطي.»
جاء الصوت مرة أخرى:
«ربما لم تكن مسؤولًا عن خيانته... لكنك كنت مسؤولًا عن تجاهل الحقيقة.»
تغير وجه أشرف.
«أنا ما كنتش أعرف.»
قال الصوت:
«كنت تعرف.»
صرخ أشرف:
«لا!»
«كنت تعرف... لكنك لم ترد أن تعرف.»
ضرب أشرف المرآة بيده.
فتشقق سطحها.
نظر إلى يده.
لم يشعر بأي ألم.
لكن الشق الذي ظهر في المرآة...
انتقل إلى انعكاس وجهه.
أصبح وجهه مشوهًا.
تراجع.
وقال:
«كفاية.»
اقترب درع.
وقال:
«لسه ما بدأناش.»
نظر إليه أشرف بغضب.
«أنتوا عايزين مني إيه؟»
قال ليل:
«نريدك أن تتوقف عن الهروب.»
قال أشرف:
«أنا مش بهرب.»
اقتربت ضي القمر.
وقالت:
«كل إنسان يرى نفسه طيبًا يا أشرف.»
نظر إليها.
فأكملت:
«حتى الشخص الذي يؤذي الآخرين... يجد لنفسه سببًا.»
ساد الصمت.
قال أشرف:
«يعني أنا وحش؟»
قالت:
«لا.»
ثم أضافت:
«لكن هل أنت متأكد أنك لم تكن سببًا في ألم أحد؟»
لم يجب.
نظر إلى الأرض.
ظهرت مرآة جديدة.
كانت مختلفة.
أكبر من كل المرايا.
اقترب منها أشرف.
ثم توقف فجأة.
كان يرى طريقًا.
سيارة.
ليلة مظلمة.
اتسعت عيناه.
«الحادث.»
تقدم بسرعة.
«وروني الحادث.»
قال درع:
«انظر.»
ظهرت السيارة.
رأى نفسه داخلها.
ثم...
ظهر الطريق.
ثم اختفت الصورة.
صرخ:
«إيه اللي حصل بعد كده؟»
لا إجابة.
عاد إلى المرآة.
لكن هذه المرة ظهرت مواقف قبل الحادث.
قرار اتخذه.
مكان ذهب إليه.
شخص تحدث معه.
طريق اختاره.
نظر أشرف إلى ضي القمر.
وقال:
«إنتي عايزة تقولي إن أنا السبب؟»
لم تجبه.
صرخ:
«أنا السبب في اللي حصل لي؟!»
قال ليل:
«ليس بالضرورة.»
قال أشرف:
«أمال ليه بتوروني ده؟»
أجاب درع:
«لأن كل شيء في حياتك له طريق.»
قال أشرف:
«حتى لو أنا اخترت الطريق... ما كنتش أعرف إنه هيوصلني للحادث.»
قال درع:
«وهذا هو معنى الجهل.»
نظر إليه أشرف.
فأكمل:
«أن تصنع شيئًا... دون أن تعرف أنك تصنعه.»
ساد الصمت.
قال أشرف بصوت منخفض:
«يعني ممكن الإنسان يكون سبب في مصيبة حصلت له... ومش عارف؟»
قالت ضي القمر:
«وأحيانًا يكون سببًا في مشكلة... ثم يقضي عمره يبحث عن شخص آخر يلومه.»
رفع أشرف رأسه.
نظر إلى المرايا.
كل وجه فيها...
كان وجهه.
غاضبًا.
خائفًا.
مكسورًا.
ظالمًا.
مظلومًا.
واثقًا.
ضعيفًا.
قال:
«أنا مش كل ده.»
جاء الصوت من كل المرايا:
«بل أنت كل هذا.»
تراجع أشرف.
«لا.»
«فيك الخير... وفيك الغضب.»
«لا.»
«فيك الحب... وفيك الكراهية.»
«اسكتوا.»
«فيك الشجاعة... وفيك الخوف.»
وضع أشرف يديه على أذنيه.
«اسكتوا!»
«وأحيانًا... تكون أنت الضحية.»
صمتت الأصوات لحظة.
ثم قالت:
«وأحيانًا تكون السبب.»
فتح أشرف عينيه.
كان أمامه مرآة واحدة.
رفع يده.
استعد لتحطيمها.
صرخت ضي القمر:
«لا!»
توقف.
نظر إليها.
«ليه؟»
قالت:
«كسر المرآة لا يغير صورتك.»
خفض يده.
نظر إلى انعكاسه.
لأول مرة...
لم ير الرجل القوي.
ولم ير الطفل الضعيف.
ولم ير حارس البوابة.
رأى إنسانًا فقط.
إنسانًا أخطأ.
وتألم.
وظُلم.
وظلم أحيانًا.
نظر إلى نفسه طويلًا.
ثم قال بصوت هادئ:
«أنا مش ملاك.»
ساد الصمت.
أكمل:
«ومش شيطان.»
اقترب أكثر من المرآة.
«أنا غلطت.»
انخفض رأسه.
«واتظلمت.»
ثم رفع عينيه.
«وظلمت غيري أوقات.»
بدأت القلادة تضيء.
لكن أشرف لم ينظر إليها.
ظل ينظر إلى نفسه.
وقال:
«لكن من النهارده...»
أخذ نفسًا عميقًا.
«مش ههرب من نفسي.»
في اللحظة نفسها...
انفجرت المرايا بالضوء.
اختفت كل الصور.
وظهر صوت الملك جسر.
كان صوته هادئًا.
لكن كلماته جعلت الجميع يصمت.
«الحارس الذي يرى شر الآخرين فقط...»
توقف الصوت لحظة.
ثم أكمل:
«سيصبح واحدًا منهم.»
أغمض أشرف عينيه.
وقال جسر:
«أما الحارس الذي يرى ضعفه...»
بدأت الأرض تهتز.
«فيستطيع السيطرة عليه.»
انطفأ الضوء.
واختفت كل المرايا.
إلا مرآة واحدة.
نظر إليها أشرف.
ثم تجمد.
لم يكن يرى نفسه.
كان يرى رجلًا يرتدي ملابس سوداء.
وعيناه...
كانتا سوداوتين تمامًا.
قال أشرف بصوت مرتجف:
«ملك الظلام.»
ابتسم الرجل.
وقال:
«أخيرًا يا أشرف.»
تراجع أشرف خطوة.
«إنت إزاي وصلت هنا؟»
ابتسم ملك الظلام أكثر.
وقال:
«أنت اللي وصلت لي.»
رفع أشرف يده نحو المرآة.
لكنها لم تكن مرآة.
كان هناك شيء خلفها.
شيء حي.
قال ملك الظلام:
«بدأت تعرفني.»
نظر أشرف إليه.
«أعرفك؟»
اقترب ملك الظلام من الجانب الآخر.
ووضع يده على سطح المرآة.
وقال:
«أنا لست بعيدًا عنك كما تظن.»
تجمد أشرف.
اتسعت عيناه.
ثم بدأت المرآة تتشقق.
صرخت ضي القمر:
«أشرف ابتعد!»
لكن أشرف لم يتحرك.
كان ينظر إلى وجه ملك الظلام.
وفجأة...
ظهر انعكاس آخر بجواره.
وجه أشرف.
لكن انعكاسه...
كان يبتسم.
ابتسامة لم يرها أشرف على وجهه من قبل.
قال ملك الظلام:
«السؤال الحقيقي يا حارس البوابة...»
توقفت الأرض عن الاهتزاز.
واختفى كل شيء.
ثم جاء صوته للمرة الأخيرة:
«هل تخاف مني...»
صمت لحظة.
ثم قال:
«أم تخاف مما ستجده داخلك؟»
انكسرت المرآة.
وغرق أشرف في الظلام.
يتبع...

تعليقات
إرسال تعليق