مُرّ الحقيقة (2): أنا قادم إليكم
مُرّ الحقيقة (2): أنا قادم إليكم
![]() |
بقلم: محمد جمال الجارحي
أغلقتُ الهاتف مع أبي، والوعدُ يتردد في صدري: "أنا قادم". قمتُ من فراشي وابنتي تتشبث بأكتافي، تنادي أمها ببهجة طفولية: "ماما.. بابا صحي!". جاء صوت زوجتي من المطبخ مختلطاً برائحة القهوة وصخب الأواني: "الفطور يجهز، ادخل خذ حماماً دافئاً لنفطر ونذهب لبيت أبيك".
وقفتُ أمام مرآة الحمام.. تسمرتُ مكاني. من هذا الذي ينظر إليّ؟ تلك الملامح التي حفرها الصراع، تلك النظرة التي أطفأتها حروب الحياة الطاحنة.. هل هذا حقاً أنا؟ هل هذه هي النسخة التي تمنيتُ أن أكونها؟ أم أنها مجرد "ندوب" تركها الزمن على وجهي؟
انهمر الماء الدافئ على رأسي، فأغمضتُ عينيّ لأهرب من وجهي في المرآة، فإذا بي أسمع صوت أمي يتردد في جنبات ذاكرتي: "لا ترفع وجهك أمام المياه حتى لا تختنق". في الخلفية، انبعث صوت "بابور الجاز" وهو يسخن "سطل" الماء؛ صوته الرتيب الذي كان يتغلغل في وجداننا ويمنحنا شعوراً بالأمان.
تذكرتُ يد أمي وهي تمسك بـ "ليفة خشنة"، تفرك بها جسدي بقوة لا يتحملها جلدي الصغير. كنتُ أتألم حينها، لكنني أدركتُ الآن أنها لم تكن تنظف جلدي فحسب، بل كانت تتأكد أن هذا الجسد "خشنٌ" بما يكفي ليصمد أمام تقلبات الأيام. كانت تصنع "جبلاً من حديد ونار" ليقف في وجه الرياح العتية والأمطار الكاسحة. كانت تربي فيّ "الرجولة" قبل أوانها، ليعتمد عليّ الجميع وأنا لا أزال طفلاً.
عدتُ إلى واقعي.. نظرتُ حولي، فبدا كل شيء "سهلاً ومصطنعاً". حلَّ السخان الكهربائي محل البابور، و"كوز الليف" البلاستيكي اللطيف محل ليفة أمي الخشنة. صابون ناعم برائحة نفاذة، لكنه بلا طعم ولا لذة. يدي هي التي تفرك جسدي الآن، لكنها يدٌ متعبة بلا بركة.
تساءلتُ بمرارة: هل نحن حقاً "نظيفون" الآن؟ أم أننا نتظاهر بالنظافة؟ هل نحن سعداء أم نمثل السعادة؟ لقد تكسرت بداخلنا الطفولة، وضاعت الأحلام في "طاحونة" الحياة. متى أصبحنا هكذا؟ هل نحن من فعلنا ذلك بأنفسنا، أم أُجبرنا أن نكون هذه "المسوخ" التي نراها في المرآة؟
طرقاتٌ رقيقة على الباب قطعت حبل أفكاري: "محمد.. أنت بخير؟".
ابتسمتُ.. أدركتُ أنه لا يزال هناك من يبحث عنا، من يرانا، ومن يطمئن على وجودنا. أجبتها بصوتٍ محشور: "أوشكتُ على الانتهاء".
خرجتُ مرتدياً "البشكير"، فسمعتُ وصية أمي الخالدة: "لا تخرج دون أن تشرب جرعة ماء حتى لا تبرد.. وقل: اللهم غفرانك". وجدتُ نفسي أنفذ كلماتها حرفياً، وكأن يدها لا تزال تربتُ على كتفي.
اتجهتُ نحو "الراديو" القديم الذي غطاه الغبار. مسحتُ عنه ملامحه الضائعة، وأدرتُ المؤشر حتى استقر على "إذاعة القرآن الكريم من القاهرة". انبعث صوت الشيخ عبد الباسط يقرأ سورة الكهف، فوقفتُ أمام المرآة مرة أخرى وسألتها: "أين أنت؟ هل هذا حقاً عالمك الذي اخترته؟".
نادتني زوجتي للفطور. جلستُ على رأس الطاولة، والجميع ينظر إليّ؛ زوجتي وابنتي. أنا "رب البيت"، الراعى المسؤول عن رعيته. ابتسمتُ وقلت: "هيا نأكل حتى لا نتأخر".
ومع أول لقمة، قفزت كلمات أمي إلى ذهني: "سمِّ الله حتى لا يأكل الشيطان معك.. كل بيمينك".
أدركتُ الآن أن لتلك الكلمات معنى أعمق من مجرد آداب الطعام. "سمِّ الله" تعني أن تتحرى الحلال في كل لقمة، و"كل بيمينك" تعني أن تسعى بشرف لتحصيل قوت يومك.
نظرتُ إلى ابنتي وقلتُ بصوتٍ يملؤه اليقين: "قولوا بسم الله.. وروڤان، كلي بيمينك، ولا تتحدثي والطعام في فمك".
أنا الآن أستعد للرحيل.. أنا قادمٌ إليكم، ليس فقط لزيارتكم، بل لأستعيد "محمد" الذي تركته هناك بين البابور والليفة الخشنة ودعوات أمي.

تعليقات
إرسال تعليق