​مُرّ الحقيقة (3): طريق العودة..



بقلم: محمد جمال الجارحي

​"أنا الآن أستعد للرحيل.. أنا قادمٌ إليكم، ليس فقط لزيارتكم، بل لأستعيد (محمد) الذي تركته هناك بين البابور والليفة الخشنة ودعوات أمي".

​هممنا بالنزول، وزوجتي وابنتي تنتظرانني عند الباب بمللٍ طفيف. وجدتُ نفسي، وبلا وعي، أتحول لنسخة كربونية من أبي؛ أراجع فيشة التلفاز، أغلِقُ محابس الغاز والمياه، وأتأكد من "موتور" الكهرباء. كنا قديماً نقف خلف أبي ننتظره ونحن نتمتم بضيق: "لماذا كل هذا الحرص؟". اليوم فقط اكتشفتُ أن الأمر ليس مجرد "قفل محابس"، بل هو بحثٌ عن الأمان؛ أن نتأكد أن لنا بيتاً آمناً نعود إليه في أي وقت.

​أغلقتُ الباب بالمفتاح، ثم "زققتُه" بكتفي للتأكد، وقرأتُ آية الكرسي ودعاء الخروج: "بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. اللهم إني أعوذ بك أن أَضلَّ أو أُضل، أو أَزلَّ أو أُزل، أو أَجهل أو يُجهل عليّ". شعرتُ أن هذا الدعاء هو "حصننا" الحقيقي، وأننا نترك أنفسنا وبيتنا في رعاية الله، وكأننا نخرج لغزوة أو حرب في عالمٍ أصبح يشبه الغابة.

​لمحتُ في عين ابنتي نظرة تساؤل: "لماذا يفعل بابا كل هذا؟". احتضنتُها ورفعتها على كتفي كأنها عصفورة، وانطلقنا في "حرب المجهول" للوصول إلى بر الأمان.. بيت العائلة.

​في الطريق، كانت الوجوه جامدة، حزينة، منهكة من عناء السعي وطلب الرزق. شبابٌ ضاعوا في أزقة الوهم، يطاردون حلم الثروة السريعة بأي ثمن، فدعوتُ الله أن يعافينا مما ابتلاهم به. وعلى الجانب الآخر، رأيتُ أطفالاً يلعبون ببراءة تخترق جدار القسوة، يشعر الواحد منهم أنه يمتلك العالم بأسره.

​أعادني مظهرهم إلى طفولتي؛ حين كنتُ أذهب مع أبي للعمل وأنا في الخامسة. لم أكن أذهب للعب، بل لأخالط "الرجال"، أستمع لأحاديثهم بإنصات تلميذٍ نجيب. كانت أعظم لحظات فخري حين أمسك بالجريدة وأحاول تقليد أبي في حل الكلمات المتقاطعة؛ كنتُ أشعر أنني "رجلٌ" في الخامسة من عمره، أمتلك قلماً وعقلاً يشارك الكبار عالمهم.

​استيقظتُ من ذكرياتي على زحام الطريق الذي أصبح أكثر خطورة. الناس في الشارع فقدوا كلمة "آسف"، وأصبح الجميع يترصد للجميع. ركبنا "المشروع" (الميكروباص)، فاستقبلتني رائحة الحزن والاكتئاب. نظرتُ في وجوه الركاب؛ كل وجه خلفه قصة كفاح ومأساة لا يعلمها إلا الله. هذا يصارع الحياة عبر الهاتف، وتلك تتوعد أبناءها بالضرب عند الوصول، وأخرى تضحك بمرارة.

​أدركتُ ونحن نسير أننا جميعاً "أمواتٌ" نؤجل رحيلنا بحلم "الغد" الذي قد لا نعيشه. رأيتُ شباباً في عمر الزهور، لكن وجوههم تحمل تجاعيد الأجداد من فرط الهم. رأيتُ من يبحث في القمامة عن لقمةٍ تسد جوعه، فتذكرتُ أمي حين كانت تطبخ وتوزع على الجيران، وتطعم جارتنا التي كنا نناديها بـ "خالتي" لا "طنط". كانت الجارة أماً ثانية، وبنات الجيران أخواتٍ لا يجرؤ أحدٌ على خدش حيائهن.

​اليوم، تغيرت المفاهيم، وأصبح الأمان عملة نادرة. وفي غمرة هذه الأفكار، لمحتُ صبيَّ المناديل في إشارة المرور؛ نظرتُ إليه فرأيتُ في عينيه إصراراً وبذرة رجلٍ يتحمل المسؤولية رغماً عن قسوة الزمن.

​أخيراً.. وصلتُ إلى مدخل شارعنا. بدا لي الشارع "عجوزاً" أرهقته السنون، لكن بمجرد أن وطأت قدماي أرضه، انفتحت أبواب ذاكرتي على مصراعيها، واستعدتُ كل تفصيلة تركتها هنا قبل أن تسرقني الأيام


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القربان – الغرفة التي لا تُفتح

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر

القربان _لعنة الصندوق الأسود