مُرّ الحقيقة


 مُرّ الحقيقة

بقلم: محمد جمال الجارحي

"قوم يا محمد.. قوم يا نور عيني.. ربنا يهديك"..

صوتٌ شقَّ أذني، ناعمٌ كالحرير، دافئٌ كحضنٍ قديم. إنه صوتُ أمي.

"قوم يا حبيبي يلا عشان تصلي الجمعة.. أبوك نزل يفتح المسجد.. يلا عشان تفطر وتنزل تلحق الصف الأول.. ربنا يهديك يا ابني، ومش تنسى تأخد أخوك معاك".

في تلك اللحظة، كان صدى القرآن يملأ أركان البيت بصوت الشيخ عبد الباسط، ورائحة البخور المختلطة بخشب الصندل والمسك والعنبر والعود تملأ المكان، تجلب معها إحساساً بالخير والرزق الواسع. كانت نسمة الهواء تتسلل من "الشيش" نصف المغلق، تحرك الستارة ذات الورود الخضراء، ومعها ينساب صوت القرآن من المسجد المجاور بصوت الشيخ "عبد الرحمن الزواوي"؛ ذلك الرجل الذي هو في سني، لكن الله أنعم عليه بفضل وحلاوة صوتٍ تجعلنا نصلي خلفه بخشوعٍ ويقين.

هنا.. توقفت الحياة.

فجأة، اخترق المشهد صوت طفلة صغيرة تضحك وتقول: "اصحى يا محمد.. يلا نروح عند تيتا مونه.. يلا قوم".

فُتحت عيناي، وعدتُ إلى عالم الواقع.. إلى العالم الذي أصبحتُ فيه أنا "الأب"، صمام الأمان لأسرتي كما كان أبي، والدرع الحامي كما كانت أمي. عدتُ رجلاً كان يتمنى بمرارة أن يظل طفلاً.

رنّ الهاتف، فإذا بصوت أبي يقول: "أين أنت يا محمد؟ قوم يلا.. مستنيك على الغداء أنت وإخوتك اليوم".

سرحتُ بخيالي، ووجدتُ نفسي جالساً على "طبلية" منزلنا القديم، وأمي تضع لنا غداء الجمعة التقليدي: أرز أبيض، باذنجان مخلل، ملوخية، وفراخ.. ونحن نستمع لخواطر الشعراوي في جوٍ يفيض بالدفء والحنان والحب.

نظرتُ إلى نفسي.. لقد تغيرت ملامحي، وتسارعت بي الأيام. وبدأتُ أجهز "كشف حساب" لنفسي: هل حققت أحلامك وطموحاتك؟ هل أصبحت الرجل الذي كنت تتمناه؟

هنا.. ضاعت المفاهيم.

أدركتُ أن الحياة لم تعد كما كانت، ولا كما تربينا عليها من حب للخير ومساعدة الغير. أصبحت المفاهيم مغلوطة؛ صرنا نسمع عن أبٍ يقتل أبناءه خوفاً عليهم من مجتمع لا يرحم الضعيف، وعن ابنٍ يقتل والديه ليبني مستقبلاً.. وأي مستقبل هذا الذي يخلو من "الكبار"؟!

لقد أصبح الزمن مختلفاً عما تربينا عليه. وحاشا لله أن نسبّ الدهر، فالله هو الدهر، ولكن "مجتمعنا" هو من تجمدت مشاعره. أصبح الحلال فيه غريباً، والصادق كاذباً، وصار الانحلال الأخلاقي "حرية شخصية"، وانتحر الضمير في وضح النهار.

استيقظتُ من شرودي على يدٍ صغيرة تحتضنني وتقبلني، وصوت أبي لا يزال يتردد عبر الهاتف: "ألووو.. محمد أنت معايا؟ ألووو.. سامعني؟".

قلتُ والدموع تخنق صوتي: "نعم يا أبي.. أنا معك، بارك الله فيك.. أنا قادم إليكم".

قلتها وكلي حنينٌ إلى حضن أمي، ودعوة أبي، ونصيحته التي كنت أتذمر منها وأنا صغير، والآن أدرك أن الأب والأم هما الوحيدان اللذان يتمنيان أن نكون أفضل منهما.

في تلك اللحظة، تذكرتُ وصية جبريل عليه السلام لأشرف الخلق ﷺ:

"يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به".

أدركتُ أخيراً أن الحياة ما هي إلا "ممر"، والبطولة الحقيقية هي في اختيار الممر المؤدي إلى النهاية التي ترضاها لنفسك.

حَقّاً.. إنها "مُرّ الحقيقة"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القربان – الغرفة التي لا تُفتح

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر

القربان _لعنة الصندوق الأسود