​مُرّ الحقيقة (4):تلاقى الأجيال

 

​مُرّ الحقيقة (4): تلاقى الأجيال 

بقلم: محمد جمال الجارحي

​أخيراً.. وصلتُ إلى مدخل شارعنا. بدا لي الشارع "عجوزاً" أرهقته السنون، ولكن بمجرد أن وطأت قدماي أرضه، انفتحت أبواب ذاكرتي على مصراعيها، واستعدتُ كل تفصيلة تركتها هنا قبل أن تسرقني الأيام. تذكرتُ أول خطواتي وأنا أمسك بيد أبي وأمي، وأول خطوة خطوتها بمفردي ذاهباً إلى المدرسة. هذا الشارع ليس مجرد طريق، إنه "رحم الأم" الذي يخرج منه الجنين للحياة، وهو "أرض القبر" التي تُدفن فيها حكايات المنسيين.

​دخلتُ وكأنني ضيفٌ غريب غاب لسنوات؛ العيون تهنئ بالوصول، لكن الكلام ضاع تحت تراب النسيان. الابتسامات انحسرت في الوجوه، والكل يخشى الحديث خوفاً من أن تكون الأيام قد غيرت ما بالداخل. وحدها ابنتي كانت تخطو مسرعة بفرح، تلمس أرضاً تدرك بفطرتها أن فيها "الحب المطلق"؛ حيث ينتظرها جدها وجدتها بأحضانٍ وقبلات، وحق "الفيتو" لتفعل ما يحلو لها دون صياح.

​وقفتُ أمام بيتنا.. أصبح مظلماً، قديماً، وعجوزاً هو الآخر. لكنني وقفتُ مذهولاً أمام ذاكرة "قدمي"؛ فهي لا تزال تدرك أماكن درجات السلم دون حاجة لرؤيتها، خطواتٌ محفورة في عقلي منذ الصغر كأنها نُقشت على حجر في معبد فرعوني. استنشقتُ رائحة البخور التي تضعها أمي، واخترق أذني صوت أبي وهو ينادي أختي: "أنيري نور السلم ليرى أخوكِ طريقه".

​طرقتُ "شراعة" الباب بقوة، كأنني أزف خبر وصولي للعالم. فُتح الباب، فاحتوتني أمي في حضنٍ هو "العالم" بأسره، وظهر أبي خلفها بيده "سكينة السلطة" التي نحب مذاقها من يده هو فقط، قائلاً بلهجته الحنونة: "ادخل غير ملابسك.. لا تحبس نفسك فيها".

​جلستُ على سريري القديم، فرأيتُ طفلاً نائماً مكاني.. توهمتُ أنني أحلم، لكنه كان "محمد" ابن أختي. رأيتُ نفسي فيه؛ رأيتُ ذاك الطفل الذي كان يستلقي على نفس السرير، يحلق في السقف واضعاً خططاً لمستقبل مجهول. تساءلتُ: هل هذا "المستقبل" الذي أعيشه الآن هو ما كنت أحلم به؟ أم أنني أصبحت شخصاً غريباً بملامح لم أتخيلها؟

​نظرتُ في ألبوم الصور.. سجل أفراحنا وأزماتنا وعالمنا القديم الذي كان أجمل ونحن معاً. تمنيتُ لو أظل بين طيات الماضي، لكن الحاضر ينادينا؛ عالم الصراعات الذي نركض فيه فقط لنظل واقفين في أماكننا. أدركتُ كم ضحى الآباء من أجلنا، وكم سنضحي نحن من أجل أبنائنا.

رسالتي إليكم في ختام رحلتي:

استمتعوا بلمتكم وذكرياتكم، اتركوا لأبنائكم إرثاً من "حب الحياة" والاستمتاع بها دون جروح نفسية، فالجرح النفسي أخطر من القتل. نحن نحيا تحت سماء واحدة، فاختاروا ما شئتم، فإنكم محاسبون على اختياركم.

​وتذكروا دائماً وصية جبريل عليه السلام لنبينا محمد ﷺ:

"يا محمد.. عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

القربان – الغرفة التي لا تُفتح

ازوريا معجزه الشفاء وعصا القدر

القربان _لعنة الصندوق الأسود